ابن قيم الجوزية

58

البدائع في علوم القرآن

3 - ويقول صديقه وتلميذه ابن كثير رحمه اللّه تعالى : « . . . سمع الحديث واشتغل بالعلم ، وبرع في علوم متعددة ، ولا سيما علم التفسير والحديث والأصلين ، ولما دعا الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ ، فأخذ عنه علما جمّا ، مع ما سلف له من الاشتغال ، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة ، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا ، وكثرة الابتهال ، وكان حسن القراءة والخلق ، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذيه ، ولا يستعيبه ، ولا يحقد على أحد ، وكنت من أصحب الناس له وأحب الناس إليه ، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه ، وكانت له طريقة في الصلاة ، يطيلها جدّا ، ويمد ركوعها وسجودها ، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان ، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك ، رحمه اللّه تعالى ) اه . البداية والنهاية ( 7 / 657 ) . ما شاء اللّه . . . أرأيت أخي القارئ ثمرة التربية المستقيمة والنشأة القويمة : علم نافع ، وسلوك صالح ، وخلق عال ، وسمت حسن ، فجعل اللّه له ذكرا حسنا ، وسيرة عطرة ، وهكذا يجب أن يكون طالب العلم على هذا النهج الذي به تستقيم الحياة ، غير منهج الأدعياء المحرفين للحق ، تحت مسمى « يسر الإسلام » ولا يقصدون إلّا الترخّص الجاف ، وتضييع أمر اللّه بمنع نشره وإقامته ، وهكذا . . . فلا عجب إذا أن يلوم من هذا حاله على الشباب تمسكه بالدين والخلق المستقيم ، وهل رأيت من تاريخ الإسلام من أفتى « بالنقاب » مثلا ليس من الإسلام ؟ ! إي واللّه هكذا ! ! ! هل رأيت من يحارب المتمسك ويترك المتفلت المتهتك ، فأصبح دعاة التوحيد والاستقامة متشددين متزمتين متطرفين في نظرهم ولبسوا على الناس دينهم بكذبهم هذا ! ! و لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] ، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ يوسف : 21 ] . وإذا لم نقارن بين أخلاق علماء الأمة الصالحين وسيرتهم العطرة - أمثال عالمنا ابن القيم رحمه اللّه - وبين بعض علماء العصر ؛ فلا فائدة من ترجمتهم ، أو ذكر سيرتهم واللّه أعلم . 4 - أما مشايخه - رحمهم اللّه - فكثيرون ، نحيلك توفيرا لوقتك لكتاب الأستاذ العلامة الشيخ « بكر أبو زيد » حفظه اللّه تعالى « ابن القيم حياته وآثاره وموارده » ( 161 - 183 ) . 5 - ولكن لا يطيب الكلام عن مشايخه أو يحسن ذلك دون ذكر الإمام الكبير المجدد شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد السلام . . . ابن تيمية رضي اللّه عنه . فقد لازمه إلى وفاته رحمهما اللّه تعالى ، وأثّر ابن تيمية في ابن القيم رحمهما اللّه تعالى كأثر الماء في البذر ، والشمس في الإنبات ، وقد لا أبالغ إن قلت : والروح في الجسد ،